الوصف
في «الصداقة والحكمة» يبدو أبو حيان التوحيدي كمن يكتب عن الناس بعدما اختبر قربهم وغيابهم، وعن الصداقة بعدما ذاق منها الصفاء والخذلان معًا. لذلك لا تأتي كلماته في صورة مواعظ مجردة، بل في هيئة تأملات حيّة خرجت من تجربة طويلة مع البشر، ومن قلب حساس ظل يبحث عن الصديق الذي يطمئن إليه ويجد عنده الوفاء، وتتتبع هذه المختارات معنى الصداقة في مستوياتها المختلفة، من الألفة والمؤاخاة والثقة والمواساة والنصيحة، إلى ما يهددها من الحسد والرياء والجفاء وسوء الظن، فيكشف التوحيدي من خلالها عن طبائع الناس بقدر ما يكشف عن نفسه، وعن عصره ومجالسه وصلاته بالعلماء والأدباء.
لا تنتمي هذه الصفحات إلى زمن أبي حيان وحده، لأنها تمس سؤالًا إنسانيًا لا يشيخ: كيف نعرف الصديق الذي يستحق الثقة، وما الذي يصون المودة حين تتغير الأحوال، ولماذا تنكسر بعض الصلات رغم أنها بدأت بالصفاء؟ وفي هذا الموضع تحديدًا يقترب صوت التوحيدي من القارئ أكثر من أي وقت، فلا يعود متحدثًا عن الصداقة بوصفها فضيلة مجردة، بل بوصفها حاجة عميقة في النفس، حاجة الإنسان إلى من يراه كما هو، ويحفظ غيبته، ويحتمل ضعفه، ويبقى قريبًا حين تتسع المسافات من حوله ويغدو العالم أكثر وحشة.









