الوصف
لا تمضي المعرفة في طريق مستقيم، بل تتكشف كما يتكشف النور في مرآة صافية؛ سؤال يفتح بابًا، وفكرة تهدي إلى أخرى، وحوار يمتد من ظاهر الأشياء إلى باطنها، يجلس الحكماء والأدباء وأهل النظر في مجالس تتقابل فيها العقول، ويتردد بينها السؤال عن النفس والعقل والمعرفة والأخلاق، وعن الإنسان وهو يحاول أن يعرف العالم، ثم يكتشف أن أشق المعارف وأبعدها غورًا هي معرفته بنفسه. وليس المقصود أن يصل الحوار دائمًا إلى يقين نهائي، فربما كانت قيمة السؤال في أنه يوقظ القلب والعقل معًا، ويزعزع سكون المألوف، ويدعو الإنسان إلى النظر فيما وراء ظاهر القول إلى المعنى الذي يسكنه.
وأبو حيان التوحيدي لا يقف خارج هذه المجالس ناقلًا باردًا لما قيل، بل يصغي إلى لحظة ميلاد الفكرة، ويلتقط ما يمر بين المتحاورين من اعتراض وتأمل ودهشة، حتى يصبح الكلام نفسه رحلة في طلب الحكمة. وبين الفلسفة والأدب والمنطق والتصوف تتشكل صورة لعصر كانت فيه المعرفة صحبةً ومكاشفةً ومجاهدة للعقل، لا محفوظات جامدة. وهكذا تغدو «المقابسة» لحظة اقتراب من الحقيقة، لا ادعاء لامتلاكها، ويغدو القارئ شريكًا في السؤال، مدعوًا إلى أن ينصت لما وراء الألفاظ، وأن يبحث في كل معنى عن نور يقوده إلى معنى أبعد.









